14/03/2016م - 2:02 ص | عدد القراء: 1220


أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعداهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

 

"إضاءات من تفسير سورة النور"[1]

الحلقة الثالثة

 

أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الغوي الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعداهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

قوله تعالى: "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"[2].

يرمون المحصنات بالزنا والرمي هو رمي بالزنا وهنا عقوبة مشددة ذات وجهين متدي ومعنوي ونتذكر أن عقوبة الزانية ذات وجهين مادي ومعنوي وأنها عقوبة مغلظة والمنطلق لتشديد العقوبتين هناك وتشديد العقوبتين هنا هو منطلق واحدة وهو منطلق إرادة الشريعة المقدسة سلامة هذا المجتمع المؤمن من آفة الزنا والفاحشة وأن يكون المجتمع الطاهر النموذجي من بين كل المجتمعات الأخرى وليس عند الله روح انتقام من أحد من عبيده وإنه كما وصف رؤوف رحيم تبارك وتعالى، ولكن هو المؤدب الأكبر الأعظم الذي يعرف كيف يؤدب وبما يؤدب وبأي مقدار ونجد موازنة دقيقة بين عقوبة الزنا وعقوبة رمي المحصنات كل ذلك حماية للأعراض وحفاظ على الحجج المذكورة.

وكما يحرص الإسلام على أن لا يقدم أحد على الزنا من ذكر أو أنثى يحرص على أن يتهم أحد ظلما بل وحتى لو تهم عن حق في الواقع لابد من الاحتياط في هذه الشهادة؛ لأن الإسلام ليس من رغبته كشف عورات الناس وإظهار عوراتهم، يقول لهذا أحذر من الزنا وهذه عقوبة في وجهك لا تحتمل وصعبة الاحتمال وهي ذات حدين معنوي ومادي ففيها تحطيم لبدنك وفيها تحطيم لشخصيتك ويقول للآخر أحذر أن تتسرع وأن تتساهل في أداء شهادة بالزنا على مسلم أو مسلمة فإن أمامك عقوبتين عقوبة تحل لبدنك فتسبب له الإضرار وتشارفك على الموت وعقوبة أخرى لا تبقي لشخصيتك وزنا فعِرض الآخرين محمي من أصحاب الرغبة العارمة بالزنا والمسلم كذلك محمي في عِرضه وفي شرفه وفي كرامته عن الاتهام بالزنا من منطلق روح انتقام أو روح عداوة أو خلاف سياسي يدفع إلى هذه الشهادة أو حسد يدفع لهذه الشهادة لإيقاع الرجل أو في المرأة وحتى لو أطلع على الواقع كل عليه أن يتحفظ كثيرا في أداء الشهادة لأنه أن تخلى واحد من أربعة الشهود الذين يشهدون على الزنا جلد الثلاثة واحد منهم ثمانين جلدةوإن كانوا من الدول قبل الشهادة.

     والمحصنة المعنية في الآية "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ"، تأتي المحصنة بمعنى المتزوجة وتأتي بمعنى العفيفة وتأتي بمعنى الحرة، ولكن المعني والمقصود هنا في الآية سواء كانت متزوجة أو لم تكن فإن رميها حرام ويؤدي إلى العقوبة إذا لم يكن هناك أربعة شهداء وسواء كانت حرة أم أمرة فالعقوبة ثابتة لمن رماها ولم يحضر أربعة شهود يؤودن الشهادة بأنها فعلت، حتى المرأة غير المسلمة يحرم رميها وإن كانت مجوسية فضلا عن الكتابية ذمية كانت أو غير ذلك، لا يجوز ذلك وإن كان لا يقام على الشهداء الحد المذكور ولكن ذلك حرام فإن أقل ما في ذلك هو الكذب والكذب حرام.

الشهادة الزور تجد أنها منهي عنها حتى لإنقاذ الحق فأي دين ذلك الدين العظيم؟! وأي قيم تلك القيم الرفعية التي يأخذ بها الإسلام وإذا قلنا بأن المحصنة في الآية والمحصنات في الآية هن العفيفات فهناك عفة واقعية خارجية قد تتمع بها امرأة لكنَّ الوصول إلى العفة الواقعية الخارجية ممتنع على يثبته الإنسان من أمرأة وأنه يشخص أن هذه المرأة عفيفة لم ترتكب شيئا مما يخالف أمر الله في هذه المسألة ولم ترتكب فحشاء أصلا، فإذا انتظرنا شاهدا واحد يشهد بعفة إمرأة على هذا المستوى فلن نجد ولا واحد يشهد بأن فلانه -وإن كانت قريبة- بينها وبين الله وفي علم الغيب لم يمسسها سوء من هذا الجانب وأنها مريم أو فاطمة عليها السلام لا يقدر، نعم مريم وفاطمة عليها السلام ذاك أمر آخر لأن هناك إخبار من الله عز وجل معلوم بأن مريم طاهرة وبأن فاطمة عليها السلام معصومة العصمة التي تنافي هذه القذرات كلها، وفيما عدا ذلك كثيرات والأغلب من المسلمات خاصة هن عفيفات في واقعهن ولكن أن تعلم أنت عفتها على المستوى المذكور لا يمكن أن تثبته فأنت لا تعلم الغيب وأنت لست معها كل ساعة ساعة وليلا نهارا وإنما الله العالم.

العفة المقصودة هنا هي العفة الظاهرية والعفة الظاهرية بأن لا تعلم وجدانا إرتكابها الزنا ولم تشهدها ترتكب الزنا والشبهة لا تكفي بأن تعلم بانها أرتكبت الزنا وتدعي بذلك، فما لم يثبت وجدانا لك ذلك وما لم يحصل عند القاضي المرتضى شريعة أربعة شهود فهي على عفتها الظاهرية، فكل امرأة مسلمة من بيت شرف أو من بيت وضاعة ومن أي مستوى سواء متبرجة أو متسترة هي عفيفة على مستوى عدم ارتكاب الفاحشة ما لم يحصل أحد الطريقين المذكورين الطريق الوجداني بالإثبات أو الطريق التعبدي الظاهري وهم الشهود الأربعة، ولو شهد الشهود الأربعة العدول على ارتكاب فلانة الزنا فهذا مثبت شرعي تعبدي ظاهري ولا نجزم من خلاله في العادة بأنها ارتكبت الفاحشة، وصحيح لا يقدم عادل بطبعه في العادة على شهادة زور خاصة بهذا الحجم فضلا عن أي شهادة زور أخرى لكن قد يحصل اشتباه ولأنه غير معصوم قد تحصل له غلبة هوى آنية وهذا معتمد في حق غير المعصوم.

لا يمكن أن نجزم بأنه قد شهد عليها أربعة شهود بإرتكاب الفاحشة بأنها ارتكبتها وإن كنا بعد أن يقضي القاضي لا يتوفر له علم وجداني بشهادة الشهود إن حكم بأنها زنت فإننا نتابع حكمه في ترتيب الحكم الشرعي الذي يرتب الشارع المقدس على مثل هذه الجريمة.

"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء"، اشترطوا في الشهداء الأربعة العدالة والتي تمنع عادة من الكذب وتكون شهادة ليس من منطلق حدس ولا عن ظن مقارب للعلم ولا عن طريق قرائن وإنما تقول الرواية ما مضمونه حتى يعاين العملية كالميل في المكحلة، متى يحدث مثل هذا؟ أمر صعب، فعقوبة الزنا المشددة وأنظر كيف احتيط لها والمقصود ليس التشفي وإنما المقصود التأديب وخلق روح الهيبة، وإن كانت العقوبة مشددة جدا ولكن الوصول إلى ما يثبت حق توقيعها صعب صعب صعب، فإن يجتمع أربعة عدول ويعاينوا العملية تلك المعاينة الدقيقة التي لا شك فيها فالأمر صعب صعب، فكما هناك احتياط في وقوع الزنا هناك احتياط مماثل وكبير جدا في عدم الإدانة بالزنا.

"فاجلدوهم ثمانين جلدة"، حد مقارب لحد الزنا وهو ثمانين جلدة وكل من العقوبتين تعرض الكثير إن لم تعرضهم للموت تعرضهم للإذى البدني العظيم، والجلد مسؤولية أمة وليس الأمر لي أو لفلان بأن يقيم محكمة في بيته على مشتهاه ويحضر أربعة من الشهود وتوقع الجلد وإنما الأمر مسؤولية إمام المسلمين أو من ينصبه الإمام بالإذن الخاص أو الإذن العام والأمة مسؤولة أن تمكنه وتعينه وأن ترضى عمله وأن تعطيه القوة والحماية التي بها يطبق هذا الحكم.

"فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا"، وهذه العقوبة البدينة المخلوطة بالعقوبة المعنوية وليس من السهل على نفس لها شيء من الإباء والإحساس بالكرامة أن تجلد للجريمة التي حكم الله عليها بأنها جريمة عظمى أمام ملأ من الناس وأن يسمع عنها بأنها جلدة، فذاك الفقيه المحترم الجليل يحضر للشهادة مع ثلاثة آخرين كلهم كانوا مستعدين للشهادة بما وقع وواحد منهم حضر مجلس الشهادة ولكنه يتلكئ ولا يرضى ويتهيب فصار الشهود ثلاثة فقط وهؤلاء الثلاثة يجلدوا ويكونوا شهود زور ومع هذه العقوبة البدنية ذات اللون المعنوي تأتي عقوبة معنوية وتكون شديدة "وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا" ليس في هذه الحادثة فقط وشهادتهم في هذه الحادثة لن تتم ولكن في كل ما يأتي من حياتهم لا تقبل لهم شهادة أبدا على مسألة زنا أو أي مسألة أخرى وإسقاط الشهادة في الإسلام تعني إسقاط للشخصية إسقاطا عمليا عن درجة الشخصية المؤمنة والتعامل معها وخسر عدالته وإسقطت شهادته -فيما تأتي- وهذه خفت وزن وهذا يولد نظرة إزدراء ونظرة احتقار من المجتمع المؤمن لصاحب الوزن الكبير الذي كان وهذه عقوبة معنوية مغلظة جدا.

هاتان عقوبتان محكوم عليهما بالفِسق "وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"، والفِسق عيب كبير في الإسلام وخروج عن مقتضى الإيمان ولوثة معنوية تبقى طابعا مشينا لصاحبها "فاسق" وإذا سهلت كلمة "فاسق" على النفس المؤمنة فإنها ما كانت لتسهل على نفس مؤمنة تعتز بإيمانها وترى شرفها في إيمانها.

"وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"، وهذا الذيل للآية الكريمة فيه تعليل فيما يرى لإسقاط الشهادة؛ لأن الشهادة مطلوب فيها العدالة عدالة الشاهد فما دام حكم على هذا بالفِسق من أداء شهادة لم تتم عدتها وهم الأربعة العدول فقد أنتهى أصل العدالة عنه ودخل في وصف جديد وهو وصف "الفِسق" وتلقائيا الفاسق فاقدا لحق الشهادة في الإسلام.

"إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا"، فهؤلاء مستثنون من حكم آية رمي المحصنات ورمي المحصنات حملت عقوبة الجلد وإسقاط الشهادة  وحكم بالفِسق والاستثناء يكون بعد شهادة الشاهد من غير إكتمال الأربعة تمت الشهادة على صاحبت الرمي وأن كلام الرامي بتهمت الزنا هذا يقول أنها صحيحة وحد الجلد حق للمتهم لأنه رمي في شخصيته وقد تم الرمي وهذا لا يسقط الحد وهو قائم حتتى لو تاب الذي قذف.

"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"[3]، وهنا مسألة أصولية وهي أن الاستثناء إذا تعقب جمل متعددة فهذا الاستثناء يرجع إلى الجملة الأخيرة ما لم تقم قرينة على إرادة الجمل المتقدمة أو بعضهم، وإن كان مع القرنية فتلك دلالة القرينة وليست دلالة الاستثناء، فبمقتضى هذه القاعدة حينما تقول الآية الكرمة "إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا"، يعني المرفوع عنهم فقط الحكم بالفِسق فحسب، أما سقوط الشهادة أبدا فثابت والثمانون جلدة ثابتة لكن تأتي قرينة على أن سقوط الشهادة يرتفع لأنه كما سبق بيانه هو أن "وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"، تعليل لسقوط الشهادة أبدا وسقطت عنه لأنه قد حكم عليه من قِبل العدل الحكيم بأنه فاسق والحكم بالفسق ارتفع فلابد أن يرتفع معلوله والمسبب وهو سقوط الشهادة فيكون الساقط هو الأمرين أمر الفسق وأمر سقوط الشهادة، فتقبل الشهادة بعد التوبة والحكم بالفسق وأما حكم الجلد فباق لأنه حق قد ثبت للمجني عليه. فلو تاب بعد أن قتل فلان فتوبته لا ترفع عقوبة القتل وبينه وبين الله عز وجل يريد غسل ذنبه يوم القيامة وهذا أمر آخر.

الآية الكريمة اختارت عنوان الرمي "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ"، الرمي يكون بمثل السهم ورمي السهم يكون للقضاء على المستهدف وإنهاء حياته أو إحداث جريح عميق به واختيار الرمي في الآية الكريمة هو للإشارة إلى أن رمي الأعراض يحمل هذا الأثر وهو بمنزلة السهم المادي الذي يقضي على حياة المرمي أو يحدث له الجرح العميق، هذا رمى فماذا فعل بتلك المؤمنة وماذا فعل بذلك المؤمن؟ عرَّضه لعقوبة بدنية صارمة وهدم شخصيته معنويا ويطلق كلمة سوقية كاذبة ويبتلي المكذوب عليه أو ثلاثة من السفهاء أو أربعة يشيعون في المجتمع أن فلانة فعلت وفعلت فتتعرض للكثير من أذى الناس عى الألسن ومن سوء الظن فكيف بواحد يتصدى عند الإمام عليه السلام أو من ولاه الإمام ويكون عليه سيماء الصالحين أو مظهر الخير بأن فلانة رأها يزنى بها لا عن حلال وهي ذات زوج فلا يحتمل أنه مشتبه وحتى لو تتم الشهادة وصحيح لم يعترف بها شرعا لأن الأربعة لم يتم عددهم ولكن ن ناحية الأثر الاجتماعي يحصل سوء الظن في النفوس وتحصل الشبة وتتجرأ ألسن ويتوقف متوقف عن الزواج بها وهذه الآثار الموضوعية تحصل، وإذا كان الخاطب للزواج يتمتع بروح شرف فإذا كان يتوقف عن إمراة يتهمها إنسان من بعيد ويحاسب هذا الشاب هل أقدم أم لا فكيف بشاهد أو شاهدين من الزون الثقيل يتقدمون للشهادة على فلانة؟ أنظر هذا السهم هو سهم تصفوي للمعنوية ونفاذ في القلب إلى جانب ما يعرضه هذا السهم المتهمة أو المتهم إلى العقوبة لابدينة الشديدة جدا ولذلك أختارت الآية الكريمة وعبرت بالرمي ولم تقل يتهمون أو من يشهدون على إنسانة أو مؤمنة بالزنا.

توبة الرامي

"إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا"، يضاف للتوبة العمل الصالح وهل هناك فرق بينهما؟ التوبة قد تكون على مستوى الندم سواء كان الندم الذي يقطع القلب والإخلاص الداخلي والعزم على عدم العودة ولا يستطيع أن يفعل غير ذلك على مستوى القلب ولا يوجد تدارك مادي كالمال أو غير ذلك ولكن يضاف إلى هذه التوبة العمل الصالح وأوله هو أن يصلح ما أفسد وقد أفسد على المرأة المؤمنة مستقبلها وكدر حياتها وشوه سمعتها وأسقط قيمتها في مجتمعها العزيز على نفسها وأضر بأمر زواجها إذا لم تكن متزوجة وأضر علاقتها بزوجها لا يصبر على امرأة متهمة بهذه التهمة.

ويصلح ما أفسد بإعلان كذبه وإفترائه على المرأة فيعترف بأنه افترى عليها أو قد كذبت على الرجل الذي اتهمه وهذا الاعتراف والإعلان كما في الروايات ما روي عن موثقة سماعه لكنها مضمرة فلم يذكر الإمام المروي عنه[4]، قال قلت تعرف توبتهم، بمعنى كيف تُعرف توبتهم والمقصود هم شهود الزور؟ قال يكذب نفسه على رؤوس الناس حتى يُضرب الحد -حد القذف- ويستغفر ربه فإذا فعل ذلك فقد ظهرت توبته، نريد توبة شرعية وعندنا أمران الأول هو أمر ترويج الباطل وأمر رفع الضرر عن المتهم وهذا الرفع لا يكون بتوبة صامته أو يجعل بينه وبين الله وهو قد نشر الموضوع في الصحف كما يقول آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي أو قد شهد بأن فلان أو فلانة زانية وإنما ذهب لبيته وأستغفر الله وندِم فعلا ولم ينم تلك الليلة ولكن ما الذي استفاده المتهم وقد مزق عِرضه وأسقط شرفه وذاع في الناس أمر فاحشته المداعاة، فإن أعلن في الصحيفة فليعلن في الصحيفة عكس ما قال بأنه كان كاذبا على فلان أو فلانه.

رواية يونس عن بعض أصحابه عن أحدهما[5] في سياق الرواية "وما توبته"؟ قال يجيء فيكذب نفسه عند الإمام ويقول قد افتريت على فلانة ويتوب مما قال. ولكن هذا الإعلان مطلوب وإعلان الإمام لابد منه لأنه يرتب أثر وهو إسقاط الشهادة وحتى يعيد الاعتبار للشهادة لابد من أن يعلم بالتوبة، وإذا قال ذلك في مجلس الإمام والمجلس حاضر فهذا يعني أنه أعلن توبته.

وفي صحيحة عبدالله بن سنان عن الإمام أبو عبدالله عليه السلام عن المحدود إذا تاب[6] هل تقبل شهادته؟ قال إذا تاب توبته إن يرجع مما قال ويكذب نفسه عند الإمام وعند المسلمين فإذا فعل فإن على الإمام أن يقبل شهادته بعد ذلك.

تلك الرواية لا تخصص هذا وهذه الرواية تقول عند الإمام وعند المسلمين وهذه صحيحة وتلك موثوقة مضمرة.

 

 

والحمد لله رب العالمين

 



[1]  ألقيت المحاضرة في جمعية التوعية الإسلامية بتاريخ 22 جمادى الأولى 1437هـ، الموافق 02-3-2016.

[2]  سورة النور، الآية 4.

[3]  سورة النور، الآيتين 4 و 5.

[4]  والرواية التي لا تذكر أسم الإمام تسمى في الاصطلاح مضمرة والمضمرات ليس على حد واحد عندهم، هنك مضمرة عن محمد بن مسلم وعن مثل زرارة وعن مثل عبدالله بن سنان ومشاهير الرواة وثقات الرواة ويحمل على أن المروي عنه هو الإمام عليه السلام، أما من دون هذا المستوى فيتوقفون عن أخذ مضمرته وإن كان هناك رأي آخر وأنه ما دام الرواي قد أثبتت له الوثاقة سواء كان بإمامة مصدقي الأئمة عليهم السلام أو من المذاهب الأخرى وكان ثقة، ألا يتورع الثقة بأن يوهم السامع والمنقول عنه وهو يعرف بأن حديثه سيشرق ويغرب في الناس ألا تمنعه وثاقة من أن يوهم الآخرين بأنه الإمام لأن الذي يؤخذ بقوله حجة عند اتباع الأئمة عليهم السلام هم الأئمة ولا يأخذ بأقوال غيرهم كأن ينتهي القول إلى زرارة قال زرارة بأن الحكم الشرعي كذا وقال محمد بن مسلم بأن الحكم الشرعي هو هذا، وهذا ليس مثبت بالحجة على من وصل إليه الخبر، فالمؤخوذ هو نقل زرارة وليس رأيه كثقة وهذه الوثاقة تمنع صاحبها من أن يرتكب هذا الإيهام فيؤثر على الحكم الشرعي

[5] وإذا قال عن أحدهما يعني إما الإمام الباقر عليه السلام أو الصادق عليه السلام.

[6] وهذا أقرب لصدق التوبة وكاشف أكبر عن صدق توبته.