30/11/2014م - 7:25 م | عدد القراء: 2064



خطبة الجمعة (625) 20 محرم 1436هـ - 14 نوفمبر 2014م

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي يعلم وزن كلّ صغير وكبير، ماديٍّ ومعنويّ، ووزن السماوات والأرض، وهو الموجد لكلّ شيء بوزن محسوب مقدور، والمقدِّر لكلّ شيء كائن وما يكون، وما من تقدير منه إلّا عن حكمة، ولا يخلق خلقًا عبثًا، وهو المنزَّه عن الحاجة إلى العبث واللعب واللهو، وهو الغنيّ الحميد.

       عباد الله أجنّ الجنون ألا يعلم إنسان أنه خالق أو مخلوق، رازق أو مرزوق، وأكبر الجهل بعد ذلك أن يذهب إلى أنّ خلقه راجع لمساويه في فقره، ومِثْلُهُ سفهًا من عرف أنّ له خالقًا رازقًا لا خالق ولا رازق له غيره فضادّه وعصاه وعانده.

       فلنملك عقولنا عباد الله، ولنملك الحكمة والرشد، فلا ندخل في معصية الخالق، ولا نشرك في طاعته أحدًا سواه، ولنلتزم ما أمر به من تقواه، والسير على ما هدى إليه دينُه.

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم لا تتركنا للنفس الأمّارة بالسوء، ولا لقصورنا وخطئنا في ما نختار، ونقدّم ونؤخر، ونعمل ونترك. ربنا خذ بعقولنا وقلوبنا وجوارحنا إلى طاعتك، وأخضع كلّ شيء منا لتقواك، واسلك بنا طريق رضوانك يا رؤوف يا رحمان يا رحيم.

       أما بعد فإلى هذا الحديث:

       ماذا تُعقب الآمال؟

       من الآمال ما هو حقٌّ، وداخل في إطار الإمكان العقلي، والقدرة الفعليّة والقابلة للاكتساب. ومنها ما هو باطل لا يسمح به العقل، وليس في سعة المرء أن يطلب إليه القدرة.

       ولكلٍّ من هذه الآمال عاقبته الذي تقتضيه طبيعته. والسؤال عن ما يترتّب على الآمال الباطلة من آثار.

       وهناك مجموعة من النصوص التي تحمل الإجابة على هذا السؤال.

       أولًا: التأثير على وظيفة العقل:

       عن الإمام عليّ عليه السلام:"اِعلَموا أنَّ الأَمَلَ يُسهِي العَقلَ ويُنسِي الذِّكرَ؛ فَأَكذِبُوا الأَمَلَ فَإِنَّهُ غُرورٌ وصاحِبَهُ مَغرورٌ"([1]).

       الوضع الطبيعي للإنسان أن يحكم عقلُه بقيّةَ قواه، لا أن يحكمه شيء منها؛ فإذا صار محكوما لواحدة منها خسر وزنه. فمن حكم هواه أو أمله عقلَه ضيّع الطريق ولم يفلح، ومن استطالت آماله الدنيوية، وتمكّنت من نفسه كان لها السلطان على عقله، وأنسته أن يدرك الحقائق التي لابد أن تحكم حياته، ونسي غايته ووزن نفسه، ونسي عظمة ربّه، وكان - وهو العاقل - كمن لا عقل له، ومصيبة فادحة أن يقاد عقل المرء من أمل أملاه عليه هواه ورغبته القاصرة.

       فإنه إذا حدث ذلك لم تبق للعقل رؤيته، وانطمست منه البصيرة، وما العمى الأكبر إلّا أن يفقد الإنسان البصيرةَ، ويقع قلبه في عتمة العمى، وفيه الضلال.

       وتقول الكلمة عن الإمام عليّ عليه السلام:"الأَمانِيُّ تُعمي أعيُنَ البَصائِرِ"([2]).

       وتقول الكلمة عن الإمام الكاظم عليه السلام:"مَن سَلَّطَ ثَلاثا عَلى ثَلاثٍ فَكَأَنَّما أعانَ عَلى هَدمِ عَقلِهِ: مَن أظلَمَ نورَ تَفَكُّرِهِ بِطولِ أمَلِهِ،..... ومَن هَدَمَ عَقلَهُ أفسَدَ عَلَيهِ دينَهُ ودُنياهُ"([3]).

       هذا الذي هدم عقلَه يبقى له تفكّر، ولكن ما يبقى له منه إنما هو تفكّر منطلق من ظلام لا من نور، وتفكّر هذا شأنه لا ينير لصاحبه الطريق، ولا يدلّه على نجاة وصلاح وفلاح.

       ثانيًا: نسيان الأجل والآخرة:

       عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:"إنَّ أخوَفَ ما أخافُ عَلى اُمَّتِيَ الهَوى وطولُ الأَمَلِ؛ أمَّا الهَوى فَإِنَّهُ يَصُدُّ عَنِ الحَقِّ، وأمّا طولُ الأَمَلِ فَيُنسِي الآخِرَةَ"([4]).

       وعن الإمام عليّ عليه السلام:"الأَمَلُ حِجابُ الأَجَلِ"([5]).

       وفي كلمة أخرى عنه عليه السلام:"الأَمَلُ يُنسِي الأَجَلَ"([6]).

       فالأمل الدنيوي يشدّنا للدنيا، ويجعلنا نلهث وراءها، ويعطيها أضعاف ما عليه وزنها، وبذلك تستحوذ علينا الدنيا عن أيّ تفكير في الآخرة.

       عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:"كونوا مِنَ اللّهِ عَلى حَذَرٍ؛ فَمَن كانَ يَأمُلُ أن يَعيشَ غَدا يَأمُلُ أن يَعيشَ أبَدا، ومَن كانَ يَأمُلُ أن يَعيشَ غَدا يَقسو قَلبُهُ ويَرغَبُ فِي الدُّنيا ويَزهَدُ فيما لَدى رَبِّهِ عز و جل"([7]).

       إنما يلين من القلوب ويتعظ ويعتبر ما كان منها ذاكرا لله، ملتفتًا إلى عظمته مما يجعله خاشعًا له، وأمل العيش الطويل في الدنيا يصرف القلب إليها عن الله سبحانه وعن الآخرة، فيفقد السبب للخشية، ويتصف بالغرضة والتجمّد والقسوة.

       ثالثًا: الأمل والعمل:

       إن للآمال الطويلة الدنيوية تأثيرات بالغة الضرر على العمل، في حال طالت الآمال الدنيوية وأخذت مكانًا عزيزًا في النفس يصيب التسويف العمل، يُلحق به التأثير والقصور، تُنسي أهمّيته، تُفسده، تُسيؤه، تصرف عنه، والمقصود من ذلك هو العمل الصالح المثري لقيمة الذات الإنسانية، المنجي، المربح مما هو ذخر كريم ليوم الحساب، المنتهي بصاحبه إلى النجاح الحقّ عند المعاد([8]).

       عن الإمام عليّ عليه السلام (لِرَجُلٍ سَأَلَهُ أن يَعِظَهُ):"لا تَكُن مِمَّن يَرجُو الآخِرَةَ بِغَيرِ العَمَلِ، ويُرجِي([9]) التَّوبَةَ بِطولِ الأَملِ([10])"([11]).

       وعنه عليه السلام:"مَنِ اتَّسَعَ أمَلُهُ قَصُرَ عَمَلُهُ"([12])، "ما أطالَ العَبدُ الأَمَلَ إلّا أنساهُ العَمَلَ"([13]).

       عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:"سِتَّةُ أشياءَ تُحبِطُ الأَعمالَ: الاِشتِغالُ بِعُيوبِ الخَلقِ، وقَسوَةُ القَلبِ، وحُبُّ الدُّنيا، وقِلَّةُ الحَياءِ، وطولُ الأَمَلِ، وظُلمٌ لا يَنتَهي"([14]).

       وعنه صلّى الله عليه وآله في دعائه:"اللّهُمَّ إنّي أعوذُ بِكَ مِن دُنيا تَمنَعُ خَيرَ الآخِرَةِ، ومِن حَياةٍ تَمنَعُ خَيرَ المَماتِ، وأعوذُ بِكَ مِن أمَلٍ يَمنَعُ خَيرَ العَمَلِ"([15]).

       وعن الإمام علي عليه السلام:"ما أطالَ عَبدٌ الأَمَلَ إلّا أساءَ العَمَلَ"([16]).

       خامسًا: الأمل والنعم:

       للآمال الدنيوية العملاقة المتتابعة التي تستحوذ على النفس آثار سيئة على الموقف النفسيّ من نِعَم الله، والشعور بالرضا بالحياة، وهي تعقب الأسف، وتجعل النفس تعيش حالة الفقر والإحساس بالعَوز وإن تحقّق لها ما تحقّق، وإن كثر ما في اليد.

       صحيح أن ما في يدي كثير، لكن بالقياس إلى آمالي الدنيوية المتصلة إنما هو قليل، ولذلك لا يتأتى مني الشكر، ولذا يصدر مني السخط على قسمة الله عز وجل.

       ونقرأ في ذلك كله ما عن الإمام علي عليه السلام من هذه الكلمات الدقيقة:

       "تَجَنَّبُوا المُنى؛ فَإِنَّها تَذهَبُ بِبَهجَةِ نِعَمِ اللّهِ عِندَكُم، وتُلزِمُ استِصغارَها لَدَيكُم وعَلى قِلَّةِ الشُّكرِ مِنكُم"([17]).

       إذا كانت كل النعم الكثيرة مما أُوتيته النفس لا تراها تلك النفس شيئًا بالقياس إلى آمالها الدنيوية العريضة، فكيف لا تستصغرها، وتتلاشى قيمتُها في شعورها، وكيف تبتهج هذه النفس بِنِعَمِ لا ترى لها وزنا، ولا تعتبر لها قدرا، وكيف توفّيها شكرها وهي تستقلّها، وتحتقرها؟!

       "مَن كَثُرَ مُناهُ قَلَّ رِضاهُ"([18]).

       نفس صاحب المنى الدنيوية التي تعجز القدرة، وكل السعي، وتعجز الدنيا عن تحقيقها لا يحصل لها رضى بما في اليد، ولا رضى بالحياة التي تخيّب هذه الآمال.

       "حاصِلُ الأَمانِيِّ الأَسَفُ"([19]).

       هو أسف في الآخرة، لأن هذه الأماني ضيّعت العمر كلّه على طريق هلاكها، وأسف لكثير ما يصيب الإنسان بعدما يجد أن الجهد الكبير الذي بذله، والسعي الحثيث لم يفلح في تحقيق أمانيه الضخمة الباطلة، وهذا يحصل في الدنيا.

       إن صاحب هذه الأماني يتطلّع إلى غنى فوق المقدور والمقدَّر، وإلى المنصب الذي لا يملك التأهّل له، ولا فرصة يمكن أن تُتاح له لنيله، وأن يكون العالم كلّه تحت إمرته، فلا يجد سبيلًا إلى الوصول إلى ذلك فيصاب بالإحباط، ويلمّ به الأسف، ولا يحصد إلّا الهمّ.

       "شَرُّ الفَقرِ المُنى"([20]).

       حيث تكون منى عريضة غير مقدورة([21])، ولا طريق لتحقّقها، ولأن النفس لا ترى لها غنى إلا بنيلها، فإنها وهي فاقدة لها يحكمها الشعور بالفقر، وإن كانت كل حاجاتها الواقعية مرفوعة، وتطلّعاتها المعقولة متحقّقة.

       "مَن كَثُرَ مُناهُ كَثُرَ عَناؤُهُ"([22]).

       يكثر منه عناء النفس، وعناء البدن، وهو يركض وراء السراب.

       سادسًا: الأماني الباطلة والعمر العزيز:

       "ضَياعُ العُمُرِ بَينَ الآمالِ وَالمُنى"([23]).

عمر الإنسان رأس ماله لكسب كلّ خيره، وتحقيق سعادته التي هي الهدف من وراء هذه الحياة، وتحقّق السعادة الحقيقية لا تتسع له الدنيا، وما مكانه إلا الآخرة. والآمال والمنى التي يضيع بها هدف الحياة، وتسقط قيمة الحياة تُضيّع العمر وإن طال لمئات السنين، وإن توسّع فيه حال الإنسان ما توسّع.

       سابعًا: الآمال وهلاك الأمم:

       حين تقوم آمال دنيوية منطلقة من الغرام بالدنيا وزينتها وثرواتها ومناصبها، وتتعملق، وتتمكن من نفوس أبناء الأمّة تتعرّض الأمة للهلاك.

       فطبيعة هذه الآمال أن تجعل الدنيا ميدان صراع محتدم بين أبنائها من أجل ما بها من زينة ومتاع، ومناصب، وواجهات، وسلطات يُتوسّل إليها بأي وسيلة ممكنة من نهب، وسلب، وخيانات، وسرقات، وقتل، وبيع ذمم، وأوطان، وأمم، وشعوب، وكرامة، ودين. كل ذلك يحدث على يد أبناء الأمة تحكمها الآمال الدنيوية.

       وفي هذا كلّه تفكّك الأمة، واحترابها، ونهايتها الكارثية المؤلمة. وهذا ما ينبّه عليه الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:"إنَّ صَلاحَ أوَّلِ هذِهِ الاُمَّةِ بِالزُّهدِ وَاليَقينِ، وهَلاكَ آخِرِها بِالشُّحِّ وَالأَمَلِ"([24]).

       وعنه صلّى الله عليه وآله:"صَلاحُ الاُمَّةِ اليَقينُ وَالزُّهدُ، وفَسادُها بِالأَمَلِ وَالبُخلِ"([25]).

       وكذلك:"إيّاكُم وَالتَّسويفَ وطولَ الأَمَلِ؛ فَإِنَّهُ كانَ سَبَبا لِهَلاكِ الاُمَمِ"([26]).

       والهلاك بالشحّ والأمل هلاك دنيا وآخرة.

       عن الإمام عليّ عليه السلام:"إنّما أهلَكَ مَن كانَ قَبلَكُم أمَدُ([27]) أمَلِهِم، وتَغطِيَةُ الآجالِ عَنهُم، حَتّى نَزَلَ بِهِمُ المَوعودُ الَّذي تُرَدُّ عَنهُ المَعذِرَةُ، وتُرفَعُ عَنهُ التَّوبَةُ، وتَحُلُّ مَعَهُ القارِعَةُ والنِّقمَةُ"([28]).

       اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       ربّنا لا تجعل أملًا من آمال الدنيا صارفًا لنا عن همّ الآخرة، أو مزهِّدًا لنا فيه، ولا تجعلنا ممن يؤمل الآخرة ولا يسعى لها سعيها، ولا يسلك طريق الرشد الموصل لخيرها، المجنّب لشرّها، فيخيب الأمل، وتكبر الندامة، وتشتدّ الحسرة يارؤوف يا رحيم يا كريم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([29]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله العالم بما تضمره القلوب، وترمز إليه لحظات العيون، وما تأتي به الليالي والأيام، وما انطوت عليه الدهور، وكلّ منطوق ومسطور، وما أصاب ويصيب كل نفس فيما مضى، ويأتي من خير أو شر. وكيف يخفى عليه وهو المقدّر لكل شيء، ولا يحدّه زمان ولا مكان، ولا يجد النقص إليه سبيلا.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عباد الله من أراد لنفسه خاتمة الخير، وسعادة الأبد وجد الطريق لما أراد، ومن أراد لها خاتمة الشرّ، وشقاء لا ينقضي فأمامه الطريق لذلك. وما أعجب امرءًا يقدّم شقاءه على سعادته، ويستبدل عن أحسن عاقبة بأسوأ عاقبة، ويسعى لها سعيها الحثيث، ويبذل للوصول إليها كل ما منحه الله من النعم التي يسعد بها دنيا وآخرة([30]).

       علينا عباد الله أن نحسن التصرف فيما أنعم به الله علينا، ونحسن اختيار المصير، فنطلب النجاة من النار والعذاب، ونسعى للجنة سعيها، آخذين بتقوى الله، طالبين رضوانه وثوابه العظيم.

       اللهم صل وسلم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، اللهم صل وسلم عليه، وعلى علي أمير المؤمنين، وعلى فاطمة الزهراء الصديقة الطاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين: حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

       اللهم صل على محمد وآل محمد، وعجل فرج ولي أمرك القائم المنتظر، وحفه بملائكتك المقربين، وأيده بروح القدس يارب العالمين.

       عبدك وابن عبديك، الموالي له، والممهد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين، وفقهم لمراضيك، وسدد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا برحمتك يا أرحم الراحمين.

       اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين أبدا، افعل بنا ربنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله يا أرحم من استُرحم، يا أكرم من سئل.

       أما بعد أيها الإخوة المؤمنون والمؤمنات فإلى هذا الحديث:

كان من كان فهو عدوٌ الأمة:

عدوٌ للأمة كان من كان، أراد أو لم يُرِد، عَلِم أو جهل، التفت أو لم يلتفت، من أساء لوحدة الأمة الإسلامية، وأتى بعملٍ أو بكلامٍ فيه هدمٌ لوحدتها، وفرقةٌ بين المسلمين.

وعلى الأمة كلّها من أهل مذهبه وغير أهل مذهبه مواجهته بما يكفّه عن فعله، ويعيده إلى رشده، كان من السنة أو من الشيعة، تسمّى باسم أنه عالم، أو مثقف، كان حاكمًا أو محكومًا، كان خطيبًا أو كاتبًا، مفتيًا أو داعية، وأيًا كان.

إنّ دوره هذا مضرٌ بالدين، معادٍ للأمة، مقوضٌ لوحدتها، ناقضٌ لأمنها، منهِكٌ لها، مثيرٌ للحروب بين أبنائها.

ولابد أن يأتي الإنكار وتأتي الهبّة الرادعة في وجه صاحب هذا الدور من الشيعة لو كان شيعيًا بدرجة الحماس والجدية والإندفاعة التي يواجهونه بها لو كان سنيًا، وأن يكون المبادرين بالإنكار عليه إطفاءً للفتنة، وأن يتخذ السّنة الموقف نفسه منه لو كان سنيًا تحقيقًا لغرض الوئام، وتحاشيًا عن الحساسيات المذهبية.

النيل من مقدسات هذا المذهب أو ذلك المذهب، السب لرموزٍ من أتباع هذه الطائفة أو من تلك الطائفة فضلًا عن التكفير لأهل مذهبٍ إسلامي من أهل مذهبٍ إسلامي آخر جرائم في حقّ الأمة، ومعاول لهدم وحدتها، وفتح طريقٍ واسعٍ لاحتراب الطوائف. فلا يصح للأمة بكل طوائفها وعلى جميع المستويات من علماء وخطباء ومفتين وكتّاب وغيرهم السكوت عليها.

وهذا لا يعني مصادرة الحوار، ومناقشة القضايا المختلف عليها، وطرح الآراء العلمية بأسلوب هادئ موضوعي غير مستفزّ وخاصة في إطار العلماء الأعلام والنخبة الفكرية المتدينة.

هكذا أرادوها:

هكذا أرادوها وما كان لهم أن يريدوها كذلك.

أرادت السلطة الانتخابات أن تأتي بنتيجتها السلبية المتوقّعة من الجميع، وبالكيفية الإقصائية للمعارضة وناخبيها ومترشحيها لو كان للمعارضة مترشحين([31])، وأن يكون حالها لنوعٍ خاصٍ من المرشّحين هو من حال "خلا لكِ الجو فبيضي واصفري"، وأن تكون صورية وهزلية لا تُقنع الداخل ولا الخارج.

انتخاباتٌ تفرّدت السلطة بالتخطيط لها، ووضع هندستها، وبرسم أهدافها المحددة، ومن تُوصِل ومن لا توصل إلى عضوية المجلس النيابي، ومن أيّ نوعٍ ستكون القوانين والمواقف، ولأيِّ سياسة سيكون انتصار هذا المجلس، ومن سيخذل ومن سيحارب، وسيقسوا عليه من طرف الشعب أو الحكومة.

كل ذلك جاء من تخطيط جهة واحدة هي الجهة الحكومية.

السلطة هي صاحبة التخطيط الوحيد لهذا المجلس، والذي يضمن أن يكون في خدمة أهدافها.

أرادوا لهذه الانتخابات الفشل لا النجاح، وعزوفَ الشعب عنها لا أن يتحمس لها، وأرادوا لنتائجها أن تكون من النوع الذي أفرز أزمات الوطن المتتالية، والنزاع المتفاقم بين الحكومة والشعب، وأن يبقى النفق المظلم هو حظّ هذا الوطن.

وما هكذا كان ينبغي لهم أن تكون الانتخابات، أن تكون من هذا الاتجاه ومن هذا المستوى، وهذا التردّي.

إنّ مجلسًا نيابيًا تنتجه هذه الانتخابات لا صلة له بما قد يُدّعى من  الديموقراطية، ولا يصلح أن يُمثّل حتى واجهة مكذوبة لها، ولا يملك شيئًا من القدرة على تلميع موقف السلطة.

كيف مجلسٌ باسم مجلس نيابي له انتسابٌ للديمقراطية وهو جزء من السلطة، وتحت إمرتها كما كان سابقه؟ المجلس السابق المشترك معه المجلس المُرتقَب تخطيطًا وتركيبةً وهدفًا، كان يسابق السلطةَ ويسبقها في التشديد على الشعب، والتضييق على حرّيته، ويُحرّضها على التنكيل بأحراره، وعدم الإفراج عن أحدٍ من السجناء، ويُحرّض على المبالغة في العقوبات لأبنائه، والتهجير للمواطنين([32]).

وهل يرتقب الشعبُ من المجلس المنتظَر من الانتخابات القادمة أن يكون المجلس المنتصر لقضايا الشعب؟ الحريص على نيله حقوقه، والتمتع بالحرية التي يستحقها، وأن يخرج بالوطن من أزمته الخانقة بِشِعَبِها المتعددة؟!

وكيف يندفع المواطن لانتخابات لا يرتقب منها إلا خيبة الأمل، وسوء النتائج؟!

وأمامنا أيام ويظهر الموقف الحقيقيّ للشعب من الانتخابات القادمة، ويكشف ذلك الموقف عمّا هو نظر الشعب لقيمتها، وجدوى نتائجها أو عدم جدواها، وبرهانُ كل ذلك، سيكون في حجم المشاركة أو المقاطعة.

وكأنَّ خير ما أرادت الحكومة أن تدفع بالشعب من خلاله للانتخابات، وتُشجّعه على المشاركة هو تصاعد وتيرة استدعاءات النساء الحرائر وإيقافهنّ([33])، وهذا أمرٌ أكبر خطوة يمكن أن تدفع الشعب إلى المشاركة هو هذا الفعل الذي يثير غيرة كل غيور.

عاشوراء ليست بابًا مفتوحًا:

كلُّنا يعرف أنَّ الصلاة بابها مغلقٌ عن أي تجديدٍ أو زيادةٍ أو نقصانٍ عمّا هي عليه من الناحية الشرعية، وهكذا كلُّ العبادات، والمعاملةُ خاضعة لضوابط وثوابت شرعية خاصة، وثوابت شرعية عامة لا خروج عليها.

وإحياء عاشوراء يُمثّل إحياءً للدين، وذكر أهل البيت عليهم السلام، بما أنَّ ذكرهم فيه وبه ذكر الدين، فهل باب إحياء عاشوراء مفتوح على مصراعيه نضيف إليه كلَّ ما نريد؟ وكلما يرد على خاطرنا بلا قيد ولا شرط؟ ثم أن ندّعي بأنَّ كل ما أدخلناه في الإحياء فهو شعيرة نُصِرّ على التمسك بها ونعطيها وزن الثوابت الشرعية؟

الأمر ليس كذلك بالتأكيد يا عموم الأخوة المؤمنين، وإلَّا خرجنا بالدين عن حدوده، ووجدنا أنفسنا من بعد حينٍ أمام دين غريب قد دخله من هوانا وقصورنا وعصبيتنا وجهلنا الكثير، وقاتلنا، ووجدنا أنفسنا من بعد حينٍ كذلك أننا نُقاتل من أجل هذا الدين المختَلَق، ونُقتل في سبيله. وهل هذا إلا من المنكر الفظيع؟!

إحياء عاشوراء له أساليبه المنصوصة كبيان حقيقة ثورة الإمام الحسين عليه السلام وقيمتها الكبرى في إحياء الدين، والندبة لمصابه الأليم، والبكاء الإيمانيّ لرزّيته، كما أنَّ له أساليبه المباحة مما هو خارج عن الحرمة والكراهة، البعيد عن الشبهة، غير الموهِنِ للمذهب، أو المؤذي لمن يُمارسه الأذى الذي لا ترتضيه الشريعة.

ثم إن ما كان كذلك من هذه الأساليب لا يدخل في عنوان الشعيرة([34])؛ فلو شاركت وسيلةُ الرسم بحسب ظروفٍ معينة، وكانت من الرّسم الحلال في إحياء ذكر الدّين وأهل البيت عليهم السلام، وخدمة ثورة الطفّ بما يليق بها، لا تتحوّل هذه الوسيلة وممارستها إلى شعيرة مقدَّسة وثابتة من شعائر الدين([35])، ولا يُدخِلها ذلك في عنوان الشعيرة، وإلّا من تخلى عنها غدًا قلنا بأنه قد تخلى عن دين الله!

ومن المقطوع به والمتيقن من أهل بيت الرسالة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أنهم أرادوا لنا أن نكون الرجال الصَّالحين الذين يُضحوّن في سبيل الله، ويأخذون دينهم منهم عليهم السلام، ويطيعونهم فيما يأمرون وينهون؛ لكون أمرهم ونهيهم ليس فيه خروجٌ على أمر الله ونهيه، ولا ينطلق إلا من رضاه، لا أنهم يريدوننا قططًا وكلابًا وحميرًا لهم عليهم السلام([36]).

ولو سعى أحدٌ إلى بيت المعصوم عليه السلام في حياته وجلس بباب منزله جلسة الكلب وقعى إقعائته، ونبح نباحه تذلّلًا للإمام عليه السلام(