23/11/2014م - 10:53 ص | عدد القراء: 1193



بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة (613) 4 شوال 1435هـ 1 أغسطس 2014م

الخطبة الأولى

       الحمد لله الذي ما مِنْ خلقٍ إلا ويُسبِّح بحمده، وما من ذرّة إلَّا وتشهد بعظمته، وما من جارحةٍ إلّا وتعبُدُه، وما من ناطق ولا صامت إلّا ويدلّ على جميل صنعه وصنيعه، وما تلفّظ لسانُ جاحدٍ بكلمة الكفر إلّا وخالف ما عليه حال نفسه من الحاجة إلى الله سبحانه، والاستعطاء من فضله، والشهادة ببديع خلقه، ودقّة صنعه، وبالغ تدبيره، وسابغ نعمته، ولا يسع في الحقّ أحدًا إلّا أن يسجد لجماله وجلاله، ويخِرُّ صعقًا أمام قدرته. له الحمد أولًا وآخرًا، واصبًا متّصلًا ثابتًا فوق كلّ حمد حتّى يرضى.

       أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عبادَ الله فعلُ الخير يُعقِبُ خيرًا، وفعلُ الشرّ يُعقب شرًّا. وأولَ ما ينال خيرُ الفعل الحسن صاحبَه، وأولَ ما يصيب الفعلُ السيءُ بالشر فاعلَه. والخير أنفع لفاعل الخير من غيره، والشرّ أضرّ بفاعله ممن سواه. والمؤمن يُجنّب نفسه والآخرين شرّ سوء العمل باجتنابه له، وتنزّهه عنه. وغير المؤمن يُوقِع نفسه والآخرين في السوء بما يفعل من قبيح العمل، وما يأتيه من منكر.

       فلنكن المؤمنين الذين يطلبون الخير لأنفسهم وللآخرين، ويدرئون الشرّ عنهم وعن كلّ النّاس، ولنأخذ في كلّ حياتنا بتقوى الله وطاعته فنُصيب الطريق، ونبلُغَ الغاية.

اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم أزِلْ عن قلوبنا رينها، وارفع عنها حجب الذنوب التي تمنع رؤيتها، وطهّرها من أدناسها، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ولا تُحقِّق للشيطان فينا مطمعه، واقطع عنا طمعه. واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات، ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا ومن علّمنا علما نافعا من مؤمن ومؤمنة في أمر دين أو دنيا وتب علينا يا أرحم الرّاحمين، وأكرم الأكرمين.

أما بعد أيّها الأعزّاء من الأخوة والأخوات المؤمنين والمؤمنات فالحديث في موضوع البصيرة في حلقة ثانية من حلقاته فإلى هذا الحديث:

عينُ قلبٍ ترى، وعينُ قلبٍ لا ترى، وقلب يتبع الهدى، وقلب يتبع الهوى، ورأي عن حكمة، ورأي عن سَفَهٍ وجهل، ونظر بالغ وآخر يُعاني من ضلال وقصور. والنّاس قسمان؛ قسم في هدى وحكمة ورشد، وقسم في عمى وهوى وسَفَه وضلال، قسمان: أهل بصيرة وفاقدو النظر.

وسلامةُ الموقف، ودقَّةُ التقدير، وقراءة النتائج، وتبيُّنُ الطريق، وإصابة الأمر؛ كلّ ذلك محتاج إلى البصيرة الثاقبة، وفاقدو البصيرة فاقدون لكلّ ما ذُكِر.

وأصل البصيرة نعمة عامَّة لم يحرم الله منها أحدًا من المكلَّفين، ومسؤولية الإنسان أن يرعى هذه النِّعمة كسائر النِّعَم الموهوبة إليه من ربّه، ويسلك المنهج الذي دلَّه عليه لظهورها ونمائها واشتدادها، وألّا يُفرّط في ذلك فيخسر بصيرته، ويظهر عليها جهلُه وسفهه، حتى تفقد دورها، ويغطِّيها العمى، ولا تبقى له من فاعليتها وآثارها باقية. وحينئذ قد يبقى الإنسان في ظاهره إنسانًا، ولكنه في واقعه بهيمة.

وإذا كان فاقد البصيرة لا يهتدي سبيلَه، ولا يُصيب هدفه، ولا ينفع نفسه، فكيف يهتدي به الآخرون، ويُصيبون رشدهم، ويبلغون به الهدف الصحيح، ويجدون نفعهم لو اتّبعوه، واتخذوا منه مرشدًا وقدوة وقائدًا وإمامًا؟!

لَبِئْسَ ما صنعت جماعة أو أمة بنفسها أن تُسلِّم أمرها لمن لا بصيرة له في دنيا وهي تطلبها، أو في دين وهي تهتم بأمر الدّين، وتُقدِّره، فإنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، وطالبه منه شديدُ السَّفَه.

وما أوتيت جماعة أو أمة الحكمة لو قدَّمت مرجوحًا على راجح في أيّ موقع من مواقع تدبير شؤونها.

وكل ذي بصيرة في أمر من الأمور هو أرجح لتولّي هذا الأمر ممن هو أقل منه بصيرة، على أن ما خسّر الدّين لا يُساوي ربحه الدنيويّ – وإن عَظُم - مما سلب شيئًا.

والبصيرة في أصلها وكما سبق ليست من صناعة الإنسان، وإنما هي نعمة من الله منَّ بها على عباده.

والمنشأ الأول لها ومبدؤها هداية الفطرة، وإراءة الله لها طريق فجورها وتقواها، وقوة التمييز بين الحق والباطل في ما هي الخطوط العامة لهما وما هو الخير والشر، وما ينتجه اتباع الحقّ والأخذ بالخير، والامتناع عن الباطل، والمجافاة للشر.

{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}([1]). فهذه المعرفة والإلهام من الله للنفس أولُ البصيرة، ومنطلقها، وما تعود إليه، والأخذ بما يدلُّ عليه ذلك التمييز، وما يجب أن تؤدّي إليه تلك المعرفة والإراءَةُ، هو ما يعني الرُّشدَ والصواب في الاختيار.

عن أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام:"قال سألته عن قوله {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} قال: خلقها وصوّرها، وقوله {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} قال: أي عرّفها وألهمها، ثم خيّرها فاختارت"([2]).

فهنا أمورٌ ثلاث في حديث الرواية عن الآية الكريمة:

الأولى: الخلق للنفس البشريّة من قبَل الله سبحانه، وجَعْلها بهيئتها وتكوينها وقوامها الخاص الذي يُميّزها.

والثاني: هو تعريفه تبارك وتعالى لها بإلهامها بما هي تلك النفس الإنسانية التمييز بين الخير والشرّ، وقل بين الحقّ والباطل.

والثالث: أنْ امتحنها بإعطائها قدرة الاختيار التي لا استقلال لها عن إرادته على تقديم الحقّ أو الباطل على مقابله، والخير والشر على ما يُضادّه.

وهناك المنهج الإلهي الذي أوحى به سبحانه وتعالى إلى أنبيائه ورسله، وجاءت به الكتب من عنده لقيادة حركة الإنسان في هذه الحياة وتربيته وصُنْع مستواه في أعلى درجة له؛ هذا المنهج المتكفِّل بأخذ الإنسان به([3]) بإيصال المخزون الكريم لفطرته التي تغنى بالمواهب والاستعدادات الكمالية إلى أقصى درجات نُضْجها وفعليّتها وعطاءاتها النّاجزة.

وهذا ما نقرأه في النصوص القرآنية الكريمة والحديث الشريف:

{وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}([4]).

وشاهدان آخران للقضية نفسها في الآية 203/ الأعراف([5])، 20/ الجاثية([6])، ومن الحديث ما عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:"القرآن هدى من الضلالة، وتبيان من العمى"([7]).

وعن علي عليه السلام:"ما جالس هذا القرآن أحد إلّا قام عنه بزيادة أو نقصان؛ زيادة في هدى أو نقصان من عمى"([8]).

وللإراءات الإلهية الخاصة في مواردَ من اختيار جميله وحكمته، دور في تأكيد البصيرة وتقويتها وتوسيعها فعن الإمام علي عليه السلام:"إن الله تعالى ربّما أظهر آية لبعض المؤمنين ليزيد في بصيرته، ولبعض الكافرين ليبالغ في الأعذار إليه"([9]).

فقد يُظهر الله عزّ وجلّ لمؤمن جزاءً وإحسانًا له دليلًا مما يختار يزيده به هدى وبصيرة، ولآخر كافرٍ دليلًا من شأنه ذلك ولكن ليزيده إلزامًا ويضاعِف الحجة عليه حيث لا يستفيد مما أقامه له ربُّه من دليل، ولم يهتدِ بهداه.

ويأتي إن شاء الله الكلام في ما على الإنسان أن يتّخذه طريقًا لتنمية بصيرته واشتدادها ورسوخها وحضورها الفاعل في وجوده، وظهور نورها في مختلف المواقف من حياته.

اللهم صلّ وسلّم وزد وبارك على حبيبك المصطفى محمد بن عبد الله خاتم النبيين والمرسلين وعلى آله الطيبين الطاهرين، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

اللهم ارزقنا بصيرة شاملة لا تحجب رؤيتها حُجُبُ الجهل والضلالة ولا تصيبنا معها حيرة، ولا ننحرف عن الصراط، ولا نملّ طريق رضاك، ولا يغشها غاش، ولا يخدعها مخادع يا من هو على كل شيء قدير، يا من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

{قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ}([10]).

الخطبة الثانية

       الحمد لله الذي أعطى كلَّ نفس هُداها، ودلّها على أنَّه خالقها الذي سوّاها، وزوَّدها بما تبصر به فجورها وتقواها، ومنَّ على أوليائه بالبصيرة النافذة في الدّين، وبلَّغهم درجة اليقين، وفتح أبواب الازدياد من الهداية لكلِّ طالب صادق في طلبه، ساعٍ لذلك جادٍّ في سعيه، وهو الذي لا يَردُّ سائلِيْه، ولا يُخيِّب آمليه.

       أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.

       عباد الله من ذَكَرَ الله ذكره، ومن أغفل قلبُه ذكرَ ربّه حقَّ عليه أن يُحرم رحمتَه، ومن عَبَدَ غيرَه خِيْفَ عليه أن يكلْه إلى من عبده. والمذكور لله لا خوف عليه، ولا شيء يُحزنه، ولا يفوته ما هو خيرٌ له، ولا يُحرَمُه. وأنّى لمن وكله الله لمن دونه أن يجد من ضيقه مخرجًا، ومن كربه فرجًا. أنّى لطالب الخير من عند غير الله ودفع الشرّ أن يجد إلى شيء من ذلك سبيلا.

       فلا نقصد غير قَصْدِ الله، ولا نُيمّم بوجهنا إلَّا شطره، ولا نطلب الخير، ودفع الشرّ من معطٍ أو دافع غيره.

       اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولوالدينا وأرحامنا وقراباتنا وجيراننا وأصحابنا وكلّ من أحسن إلينا من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، ولعموم المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وتب علينا إنّك أنت التواب الرحيم.

       اللهم اجعلنا لا نقصد إلّا قصدَك، ولا نُشرك في الاستعانة بك أحدًا، ولا تُحدِّثنا أنفسُنا باللجأ إلى من سواك، والتعويل على غير رحمتك. اللهم ادرأ عنّا الشيطان، وكلّ ما يُغفِل القلوبَ عنك، ويصدُّ عن ذكرك، ومَنْ خَذَلْتَه كان من الهالكين. ارحمنا ربّنا في أمور ديننا ودنيانا كلِّها، ولا تكلنا لأنفسنا ولا لأحد من خلقك طرفة عين.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد الصادق الأمين خاتم النبيين والمرسلين، وعلى عليٍّ أمير المؤمنين وإمام المتقين، وعلى فاطمة الزهراء الصدّيقة الطّاهرة المعصومة، وعلى الهادين المعصومين: حججك على عبادك، وأمنائك في بلادك: الحسن بن علي الزكي، والحسين بن علي الشهيد، وعلي بن الحسين زين العابدين، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصّادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن عليّ العسكري، ومحمد بن الحسن المهدي المنتظر القائم.

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، وعجِّل فرج وليّ أمرك القائم المنتظر، وحفّه بملائكتك المقرّبين، وأيّده بروح القدس يا ربّ العالمين.

عبدك وابن عبديك، الموالي له، الممهِّد لدولته، والفقهاء العدول، والعلماء الصلحاء، والمجاهدين الغيارى، والمؤمنين والمؤمنات أجمعين وفِّقهم لمراضيك، وسدِّد خطاهم على طريقك، وانصرهم نصرًا عزيزًا مبينًا ثابتًا دائمًا قائمًا

أما بعد أيها الأحبّة في الله فإلى عنوانين:

أتخلٍّ أم ضعف؟

غزّة وأهلها وبلا تهويل عاطفي يُفتك بهما على يد إسرائيل فَتْكَ الذئب بالمعز لا بطولةً من إسرائيل ولا شجاعة، ولا وهنًا في الإرادة الفلسطينية ولا جبنًا، ولكنّه السلاح الإسرائيلي القاهر والبدائية النسبية في سلاح المقاومة، والدولة المدعومة والقوة المعدَّة، والمال الضخم، والجيش الجرّار مما تتمتّع به إسرائيل، والجماعة المحاربَة المعزولة، والوجود المحاصَر، والبلد المدمَّر في بُنيته التحتية من قبل، والسلاح المتقدم المفقود والانقسام الرسميّ الفلسطينيّ مما عليه واقع غزّة ومقاوميها وفلسطين وجماهيرها الممتحَنة.

وللعالم الاستكباريّ موقف معروف من فلسطين والفلسطينيين، وإسرائيل والهدف الإسرائيلي. موقفٌ إعلامي فيه كذب ونفاق على أنه رغم ذلك لا يُخفي حرصه على أن تبقى إسرائيل هي الأقوى وهي السيّدة المسيطرة من بين دول المنطقة المحيطة بها كلِّها ومن العرب والمسلمين جميعًا بمدّها بالمال والسلاح، والدعم السياسيّ والإعلاميّ وحتى الجيوش الزَّاحفة عندما يتطلّب الأمر، وتُشير حاجة الواقع.

وما شأن العرب، وماذا عن الموقف العربيّ؟

إعلاميًّا كانت الشعوب العربيّة تُغذَّى بثقافة أنَّ القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمّة، وأنَّ إسرائيل هي العدو الأول، وإن لم يكن بالموقف العملي الرسميّ للأنظمة العربية التي يبثّ إعلامها هذه الثقافة منسجمًا مع هذا الإعلام حتى في ما كان.

وجاءت من بعد ذلك لغة الصُّلح والسلام وإقامة علاقات بهذا العنوان بين إسرائيل وبعض الأطراف العربيَّة، ثم توسَّعت هذه اللغة وحلّت محلّ لغة القضية الفلسطينية هي القضية الأولى للأمّة وأنَّ إسرائيل هي العدوّ الأول واختفت اللغة المستبدَل عنها من أكثر السَّاحة العربية إلّا ما ندر.

كما انتشرت العلاقات التجارية بين عدد من الدول العربية وإسرائيل وبدأ تبادل الوفود والإعلان عن علاقات بينيّة بين عدوّ الأمس وعدد من دول الأمة كانت تتم من قَبْلُ في صورة سرية.

ووصل الموقف العربيّ اليوم إلى درجةِ أن يكون أقرب إلى الانتصار إلى إسرائيل في حربها الحالية على غزّة، وبدأ الإعلام العربي يقسو على المقاومة الفلسطينية ويُوجِّه اللوم الشديد إليها ويُحمّلها مسؤولية سَفْك الدم الفلسطينيّ الذي يتدفّق على اليد الإسرائيلية والسلاح الإسرائيلي.

حتى صار يُصرِّح الناطق عن إسرائيل بأن الإعلام العربي اليوم أكثر إيجابية واعتدالًا ذلك لما سرَّ إسرائيل من انتصار الإعلام العربي لها في المعركة القائمة([11]).

وجاءت قبل هذه الحرب وأثناءها مبادرات صلح ومبادرات سلام عربية – والسلام خير – ولكن طابعها البارز أنها استسلام وهوان.

كل هذا عن تخلٍّ، أو ضعف، أو عن شيء آخر؟

لو كان ضعف فقضية الضعف من مسؤولية الأنظمة العربية ودليل قصورها وتقصيرها دون الأمة ودون الإمكانات الضخمة التي تتوفر عليها من مادية ومعنوية تُمكِّنها أن تكون في ظلّ نظام سياسي صالح في مقدّمة الأمم([12]).

ولو كان الأمر أمر الضعف العسكري فإن هذا الأمر لا يُبرر تعطيل الأرصدة الأخرى السياسية والاقتصادية والجغرافية دون توظيفها التوظيف الصادق الماهر الجادَّ في الانتصار للقضية الفلسطينية ومدِّ المقاومة بما يُمكِّنها من المواجهة القادرة للعدو.

وأما قضيّة التخلّي فلا تتجاوز – لو كانت - حدَّ الحيادية والتفرج إلى أيّ دعمٍ أو إقامة علاقات إيجابية مع إسرائيل أو تصريح في الصالح الإسرائيلي في حرب يطحن فيها المسلمون طحنًا كما كان في حرب إسرائيل ضد حزب الله، وحربها اليوم على غزة([13]).

فما هو الوجه الآخر للموقف العربي الرسمي من الصراع الإسرائيلي مع الأمة غير التبعية للموقف الاستكباري من هذا الصِّراع؟!

وكيف يمكن أن تصل الإمدادات لأطراف من أطراف الصراع الداخلي في إطار الأمَّة تُعلن الأنظمة العربية التبرؤ منها([14]) كما في حالة العراق ولا يمكن أن يصل شيء من تلك الإمدادات إلى غزة في حرب الاستئصال التي تشنّها إسرائيل عليها؟ كيف يتدفق الرجال المضحّون والمال والسلاح على مثل العراق ولا يتدفّق شيء منه على المقاومة الفلسطينية ضدّ إسرائيل في غزّة؟!

وغريب أن تخفى فتاوى الجهاد التي تدفع بالمسلمين إلى ساحات القتال بين المسلم والمسلم عن مسألة الحرب الطاغية الظالمة التي تشنّها إسرائيل على غزة وأهلها المسلمين المنكوبين.

حلّ الأزمة في البحرين:

طلب الحلّ للأزمة المرهقة للبحرين لا ينفصل عن المقياس الذي يعتمد عليه الحل. فما هو نظر الأطراف في مقياس الحل؟

المقاييس المتصوَّرة بغضّ النظر عما هو الصحيح وما هو غير الصحيح منها يأتي منها:

1.  اعتبار مقياس المواطنة: فالمقياس المنظور إليه في حقّ كلّ مواطن هو مواطنته فلا قسمة للشعب على أساس التمايز القبلي أو الحزبي والفئوي والطائفي مثلا. وفي مثل المواقع التي تتطلب الكفاءة والأمانة لابد من اعتبارهما بغضّ النظر عمَّا هو الانتماء من غير المواطنة وعدمها.

والمعارضة تطرح تمسُّكها بهذا المقياس وتُقدّمه على كلّ ما سواه.

2.  المحاصصة الطائفية وهي ثلاثة أنواع:

‌أ.     محاصصة طائفية عادلة.

‌ب.         محاصصة طائفية جائرة مفروضة بالإكراه.

‌ج. محاصصة طائفية توافقية([15]) تقوم على التفاهم البعيد عن الإكراه.

وما يُفهم من كلمات المعارضة الاستعداد للمحاصصة الطائفية التسامحية التوافقية القائمة على التفاهم والتراضي بين الجميع، والاستبعاد النهائي للمحاصصة الطائفية الجائرة.

       على أنّ الأصل في موقف المعارضة كما تقدّم ليس هو الطائفية على الإطلاق، وإنما هو الأخذ بمقياس المواطنة. والمحاصصة الطائفية التوافقية لا تُلغي أحدًا من شركاء الوطن.

3.  الاستئثار القبلي أو الجمع بينه وبين الطائفية الجائرة وهذا ما ترفضه المعارضة علنًا وبصراحة قاطعة.

وما يُفهم من الموقف الرسمي لحدّ الآن وإلى حدّ التشدُّد وعدم إبراز أيّ درجة من المرونة إنما هو التمسُّك بهذا المقياس وبذلك تقف على طرف نقيض مع موقف المعارضة. وإعلاميًّا تطرح السلطة أنها ليست مع مقياس الطائفية وهي تعني في الواقع بهذا الرفض خصوص الطائفية العادلة التي لا يُفهم من موقف المعارضة الإصرار عليها([16]).

       وهذا من دون أن تتحدَّث السلطة عن المقياس الذي تختاره للحلّ، وإنَّما تلجأ إلى التعمية والتشويش والدّعاية من كونها ليست مع مقياس الطائفيّة وترمي بتبنّيه المعارضة.

       وبينما – ما عليه الواقع – هو اختيار السلطة لمقياس مركّب من الاستئثار القبلي والطائفية الجائرة.

بينما فيما تفضّله المعارضة وتقدّمه هو مقياس الديموقراطية والمواطنة وهو الأمر الذي تجتنب السلطة طرحه نهائيًّا والتعرّض له. فهي في الواقع تُصِرّ على مقياسها القديم الذي أوجد الأزمة ولا زال يدفع بها إلى مزيد.

       السلطة لا ترضى بحكومة منتخَبة، ولا مجلس نيابي يعتمد انتخابه على قاعدة صوتٍ لكلّ مواطن، وله كامل صلاحيات المجالس النيابيّة في النظام الديموقراطي، وتُصِرّ على أن تكون الوزارات السيادية من حقّ عائلة معيَّنة، ولا ترى إدماج الشعب من غير تفريق طائفي وفئوي ومناطقي في مؤسسة الجيش والأمن والقضاء فأين هذا كلّه من الطرح الديموقراطي وأين التزحزح من هذا كلّه عن مقياس السلطة القديم المشكل المقياس القبلي والطائفي؟!

       للسلطة لغة إعلامية تتحدّث عن وطن الجميع ووطن الإخاء والمحبّة والعدل والمساواة والأُسرة الواحدة، ولغة عملية ولغة قرار ولغة لاعتماد الحلّ تتمسك كل التمسك بالاستئثار القبلي والتفرقة الطائفية. ومع هذه المفارقة يستمر المشكل ويتعمّق ويمتنع الحل([17]).

       اللهم صل وسلم وزد وبارك على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

       اللهم أخرج هذا البلد وكلّ بلاد المسلمين من الفتن الضَّارة والمحن، وأحلل الأمن فيها محلّ الخوف، والمحبّة بدل البغضاء، والعدل مكان الظلم، والهدى بعد الضلال.

       انصر ربّنا الحقّ على الباطل، وأظهر أهل فلسطين وعلى طغاة الصهاينة وأقرّ عيون المسلمين بنصر عاجل عزيز مبين على كلّ معتد أثيم.

       ربّنا ارحم شهداءنا وموتانا وشهداء الأمّة في كل مكان، واشف جرحانا ومرضانا، وفك أسرانا وسجناءنا، وردّ غرباءنا سالمين غانمين في عزٍّ وكرامة وأمن وسلام يا قوي يا عزيز.

{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}([18]).

 



[1]- الشمس: 7، 8.

[2]- بحار الأنوار ج24 ص70، 71 ط3 المصححة.

[3]- أي باتباع الإنسان لهذا المنهج.

[4]- القصص: 43.

[5]- {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

[6]- {هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ}.

[7]- الكافي ج2 ص600 ط4.

[8]- بحار الأنوار ج89 ص24 ط2 المصححة.

[9]- بحار الأنوار ج42 ص40 ط3 المصححة.

[10]- سورة التوحيد.

[11]- هتاف جموع المصلين (الموت لإسرائيل).

[12]- الأمّة تغنى بكثير من موارد القوى المادية، ومن قوى المعنى الضخمة الكبيرة، ويكفيها الإسلام. والاستفادة منه يحتاج إلى نظام سياسي صحيح.

[13]- مع موقع الموقف الحيادي لا ينتصر إلى طرف على طرف، والحاصل أن الإعلام العربي انتصر لإسرائيل في بعضه في أيام حربه على حزب الله، وهو ينتصر اليوم أيضا في حرب إسرائيل على غزة، انتصر لإسرائيل نفسها.

[14]- تصل إمدادات إلى أطراف في الصراع العربي الداخلي، الأنظمة الرسمية تعلن البراءة من تلك الأطراف، وهي تصل إليها إمداداتها، كيف تصل لها تلك الإمدادات مع غضب الأنظمة العربية على تلك الأطراف، وتبرّؤها منها؟!

[15]- قد يُسمّونها بالديموقراطية التوافقية.

[16]- ولا تميل إليها في الأصل.